جان لوئيس بوركهارت
361
رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان
وكان يحيط بنا في مسكننا مئات من التكارنة ينتظرون سفينة تقلهم إلى الحجاز ، وهم خلال ذلك يكسبون قوت يومهم تارة بالاشتغال حمالين ( فالسواكنية قوم تمنعهم كبرياؤهم عن اتخاذ هذه الحرفة ) ، وتارة بصنع قدور من الفخار لمطابخ المدينة . أما جملي فلم أبعه بأكثر من أربعة ريالات ، فإن أحدا من الناس لم يجرؤ على التقدم لشرائه بعد أن أعلن شيخ الحداربة رغبته في أن يشتريه ، وعلى ذلك استطاع الشيخ أن يفرض الثمن الذي ارتأى . وكان الجمل على فرط ما أصابه من عناء السفر يساوى ضعفي هذا الثمن ، فأثمان الإبل هنا كأثمانها في جنوب وادى النيل . وكان من القوة بحيث يطيق أن يحملني ويحمل عبدي حين يأخذ التعب منا كل مأخذ ، وذلك فوق ما يحمل من متاع وماء . وكنت أسمح للغلام بركوبه أربع ساعات أو خمس في الصباح ، ثم ينزل فأعقبه باقي النهار . وكان التجار السواكنية يعجبون أشد العجب لهذا التواضع ، ولكنه - والحق يقال - تواضع فيه من الرعاية لمصلحتى الشخصية أكثر مما فيه من الرفق بالغلام ، ذلك أنني كنت على يقين من أنه لو أعيا الغلام وخارت قواه ، لقاسمته هذا المصير لا محالة بعد قليل . وهبت علينا إبان مقامي بسواكن سموم لا أذكر لها نظيرا في شدتها وحرها اللافح ، فقد التهب الهواء من حولنا كأنه نار اللّه الموقدة ، وكادت الرمال التي تسفيها الريح علينا من كل جانب تزهق أرواحنا لولا لطف اللّه بنا . ويدأ مركب صغير يوسق حمولته ( واسم المركب منها في البحر الأحمر « صاى » ) فأخبرت الأغا بأنني معتزم ركوبه . ولو كان الوقت غير الوقت ، والظرف غير الظرف ، لقصدت مخا أولا ، فإن الكولونيل ميست ممثل صاحب الجلالة البريطانية بمصر أولانى قبل مبارحتى القاهرة يدأ أخرى فوق أياديه الكثيرة علىّ ، فتفضل بالكتابة إلى عامل شركة الهند الشرقية بمخا ينبئه بأن سائحا بهذا الوصف قد يصل مخا من البر المقابل ، ويطلب إليه أن يمدنى بما أحتاج إليه في أسفارى القادمة من مال . وكنت في وقت من الأوقات أنوى التوغل في جبال اليمن حيث أصول معظم قبائل البدو الذين يسكنون شبه جزيرة العرب ، وحيث تجد